أحمد زكي صفوت
143
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
فإن العطية على ذلك تجارة مربحة إن شاء اللّه ، واعتبر بما ترى من أمور الدنيا ومن مضى من قبلك من أهل السلطان والرئاسة في القرون الخالية والأمم البائدة ، ثم اعتصم في أحوالك كلها بأمر اللّه ، والوقوف عند محبته ، والعمل بشريعته وسنته ، وإقامة دينه وكتابه ، واجتنب ما فارق ذلك وخالفه ودعا إلى سخط اللّه ، واعرف ما تجمع عمّالك من الأموال ، وما ينفقون منها ، ولا تجمع حراما ، ولا تنفق إسرافا ، وأكثر مجالسة العلماء ومشاورتهم ومخالطتهم ، وليكن هواك اتباع السنن وإقامتها ، وإيثار مكارم الأمور ومعاليها ، وليكن أكرم دخلائك وخاصتك عليك ، من إذا رأى عيبا فيك لم يمنعه هيبتك من إنهاء ذلك إليك في سر ، وإعلامك ما فيه من النقص ، فإن أولئك أنصح أوليائك ، ومظاهريك لك ، وانظر عمّالك الذين بحضرتك وكتّابك ، فوقّت لكل رجل منهم في كل يوم وقتا يدخل عليك فيه بكتبه ومؤامرته وما عنده من حوائج عمّالك ، وأمر كورك ورعيتك ، ثم فرّغ لما يورده عليك من ذلك سمعك وبصرك وفهمك وعقلك ، وكرّر النظر إليه والتدبير له ، فما كان موافقا للحزم والحق فأمضه ، واستخر اللّه فيه ، وما كان مخالفا لذلك فاصرفه إلى التثبت فيه والمسألة عنه ، ولا تمنن على رعيتك ولا على غيرهم بمعروف تأتيه إليهم ، ولا تقبل من أحد منهم إلا الوفاء والاستقامة والعون في أمور أمير المؤمنين ، ولا تضعن المعروف إلا على ذلك وتفهّم كتابي إليك ، وأكثر النظر فيه والعمل به ، واستعن باللّه على جميع أمورك واستخره فإن اللّه مع الصلاح وأهله ، وليكن أعظم سيرتك وأفضل رعيتك ، ما كان للّه رضا ، ولدينه نظاما ، ولأهله عزّا وتمكينا ، وللذمة والملة عدلا وصلاحا ، وأنا أسأل اللّه أن يصلح عونك وتوفيقك ورشدك وكلاءتك ، وأن ينزل عليك فضله ورحمته بتمام فضله عليك وكرامته لك ، حتى يجعلك أفضل أمثالك نصيبا ، وأوفرهم حظا ، وأسناهم ذكرا وأمرا ، وأن يهلك عدوك ومن ناوأك وبغى عليك ، ويرزقك من